محمد العربي الخطابي
316
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
من البدن لقلقها بها ومجاهدتها إياها ، لأن البدن إذا كان ممتلئا من أي خلط كان خلت الطبيعة عن تدبيرها المخصوص بها وانصرفت إلى مجاهدتها ذلك الخلط ومصارعته كي تغلبه وتفعل فيه وتنقّي البدن منه ، فإن وافق البدن دواء مخصوص بإخراج ذلك الخلط ووجد من الطبيعة عونا على ذلك قوي كلّ واحد منهما بصاحبه وأثّر في ذلك الخلط تأثيرا بيّنا . والطبيعة في الصيف أيضا تحتاج إلى إخراج المرّة الصفراء من الأبدان وإلى حفظها لها في الشّتاء لمشاكلة المرّة الصفراء لمزاج فصل الصيف ، لأنّ الصفراء في ذلك الوقت تقوى بسبب الحرّ واليبس الذي يعينها من خارج ويقوّيها فتحتاج الطبيعة حينئذ إلى تسكين أحدهما - أعني إما تسكين الهواء المحيط بنا وإما تسكين غلبة المرّة الصفراء من داخل : وأما حفظها لها في الشتاء فلمخالفة مزاجها لمزاج الشتاء وموافقتها لبرودته ورطوبته ، فإن كان الدواء قويا وثبتت قوته في البدن بعد استفراغه المرّة الصفراء الذي هو مخصوص بإخراجها - كما ذكرنا - استفرغ بعدها البلغم لأنه أخفّ الأخلاط الباقية فيكون استفراغه له بمشقة وصعوبة ، ويولّد كربا وربّما أسحج لأنّ استفراغ ما لم يكن من خصوصيته ولا طبيعته ولا سيّما إن كان الزمان صيفا فيكون ذلك بفضل قوة الدواء وعنفه على الطبيعة لأنّ من شأن الطبيعة أن تحامي عن كلّ خلط من الأخلاط وتدفع عنه وتمنع عن إخراجه من البدن في الزمان الذي هو مخالف لطبيعة الخلط ومزاجه لحاجتها إلى مقاومة كل زمان بما يضادّه فهي لذلك تمنع عن خروج البلغم وتحفظه في فصل الصيف وتسهّل خروجه في الشتاء لحاجتها إلى مقاومة حرّ الصيف ويبسه ببرد البلغم ورطوبته . وكذلك يفعل في سائر الفصول فإن بقيت قوة الدواء وثبتت في البدن بعد استفراغه البلغم استفرغ بعده المرّة السوداء بمشقة أكثر وبلية أكبر لأنّ الدواء غير مخصوص بإخراجها وإنما استفرغها بفضل قوة الدواء مع أنّ الدواء لم يقو عليها إلا بعد أن فنيت رطوبات البدن لأنها بغلظها وبعد انقيادها تتأخر حتى يقوى الدواء عليها بقوته وقهره لها فتتولّد من أجل ذلك من العلّة والأسقام ما إن لم يتدارك أهلك الإنسان من قرب ، فإن بقيت قوة الدواء في البدن بعد ذلك وكان فيه من القوة ما يقهر الطبيعة اختلس منها الدواء واستفرغه من البدن وتولّد حينئذ من الطبيعة والدواء مجاهدة ومصارعة حتى يحدث عن ذلك الغشي والكرب وضروب من البلايا ، فإن دام ذلك لم يؤمن على الطبيعة أن